حسن الأمين
336
مستدركات أعيان الشيعة
جريدة « الفرات » - وكانت تصدر بالعربية والتركية ، وإذ كان الكواكبي يجيد اللغتين فقد وقع الاختيار عليه للقيام بهذه المهمة ، وحدد راتبه الشهري بثماني ليرات عثمانية ذهبا . وهو مبلغ ضخم بالنسبة لمعدل الرواتب في ذلك العصر ، وكان الدولة أرادت بإسناد هذا العمل الرسمي إلى السيد الكواكبي ، أن تشتري قلمه ، وأن تكم فمه ، ولكن ظنونها ذهبت بددا . ولم يطق العمل في الجريدة الرسمية التي تلزمه أشياء تتنافى وطبعه ومنازعه ، وسرعان ما ترك العمل في الجريدة الرسمية وانصرف للأعمال الحرة . وقد كان لاعتزاله العمل الحكومي أثره في نفوس رجال الحكم ، وخشوا أن يفلت من أيديهم ، وقدروا ما سيكون لنشاطه ، وهو غير مقيد ، من أثر في إلهاب النفوس ، فاحتالوا عليه وأعادوه إلى البيئة الرسمية . فعينوه في ديوان المعارف ، ثم نقلوه إلى كتابة العدل ، ثم إلى مديرية التنفيذ ، ثم إلى مديرية مطبعة الولاية ، ثم رفعوه إلى رئاسة بلدية حلب ، فرئاسة كتاب المحكمة الشرعية ، فمفتشية انحصار الدخان ، فرئاسة غرفة التجارة ، فرئاسة المصرف الزراعي . وقد يعجب القارئ من هذا التنقل من فرع إلى فرع ، ومن دائرة إلى أخرى . ولكن عجبه سيبطل إذا عرف أنه ما يكاد يتسلم دائرة من الدوائر حتى يباشر الإصلاح فيقلب عاليها سافلها ، ويعمل على تعديل أوضاعها . أي أنه كان في جميع الرئاسات التي تقلدها ذلك المصلح الثائر على الكثير من القيود والطرق المعوجة . فكان يصطدم مع أولي الأمر ، وكان خلافه معهم على سنن الإصلاح هو الذي يحدوهم إلى نقله من دائرة إلى أخرى . وما زالوا إلى أن قرروا نقله من حلب إلى راشيا ، فعينوه قاضيا شرعيا فيها ، أي أرادوا نفيه بصورة غير مباشرة للتخلص من نزعاته الاصلاحية وميوله الحرة . ومن يمعن النظر في الوظائف التي شغلها ، وهي ذات اتجاهات مختلفة ، من التجارة إلى الشريعة ، ومن الكتابة والتحرير إلى أمور التبغ والدخان مثلا ، لا يجد تعليل ذلك إلا أن كفايته الذهنية كانت قابلة لاستيعاب كل عمل . وهذا شان الأذكياء الذين لا يهابون المسئوليات ، بل يقدمون على العمل بجنان قوي للوصول به إلى أسمى غاياته ، وكان الكواكبي من هذا النفر . وقد كان تمسكه بوجهات نظره ، ومحاولته التجديد والإصلاح ، من الأمور التي أثارت عليه حفيظة الولاة ورجال الدولة ، فناصبوه العداء واتهموه بتهم كثيرة كادت تودي بحياته . ومن أبرز أعماله في حلب اشتغاله بالصحافة ، وهو أول صحفي مارس هذه المهنة في حلب : فقد أصدر جريدة « الشهباء » سنة 1293 ه ، وجعلها منبرا عاليا للصيحات الحرة . . . ولكن أنى لهذه الصيحات أن تأخذ طريقها إلى قلوب الجماهير ، والحرية مكبلة بالسلاسل ، والكابوس الحميدي يحاسب المرء على الكلمة والهمسة ، لذلك لم تعش الجريدة طويلا ، فقد عطلتها الحكومة ، واستطاع بعد سنوات أن يصدر جريدة ثانية أسماها « الاعتدال » ، ولم يكد يصدر منها عدة أعداد حتى أقفلتها الحكومة ، وقد جعل منهاجها كزميلتها ، وهو التنديد بسياسة الدولة العثمانية ، وظلت الميول الاصلاحية حبيسة في نفسه بعد تعطيل الجريدتين ، إلى أن أتيح لها أن تنطلق تحت سماء مصر ، والتي احتواها كتابه « طبائع الاستبداد » وهو فصول ومقالات نشرت متتابعة على صفحات « المؤيد » كبرى جرائد مصر والشرق آنذاك . لقد كان الكواكبي من الأذكياء الذين سبقوا زمنهم ، فحاول إصلاح الدولة في بيئة لم تكن لتسمح له أن يبوح بارائه حرة طليقة فوقف الحكام له بالمرصاد ، وكانت بينه وبينهم منازعات وخصومات . ولا يتسع المجال لايراد الكثير من هذه الحوادث التي كانت من أسباب هجرته ، وكلها تنتهي عند هذه الغاية التي استهدفها ، وهي مناصبته طغاة الولاة الذين كانوا يحافظون على العهد الحميدي بأبشع صوره ، وقد اتهم اتهامات باطلة وزج في السجن وحوكم وحكم عليه ، واتهم بالعمل مع الأجنبي ضد الدولة العثمانية ، وكانت جميع هذه التهم باطلة ، وهي من عمل الوشاة والجواسيس . ولما ضاق ذرعا بهذا الجو الموبوء بالوشايات قرر النزوح عن حلب . وقبل أن نشير إلى قصة فراره نلخص الحادثة التي اتهم بها ، ودخل من أجلها السجن ، وكاد يبقى في ظلماته سنوات طويلة ، لولا العناية الإلهية . ففي سنة 1307 هعينت الدولة عارف باشا ، أحد كبار رجال الدور الحميدي ، واليا على حلب ، وكان سئ الإدارة ، منهمكا بالرشا ، يقول الشيخ الغزي الذي روى هذه القصة : « إن السيد الكواكبي تسلط عليه - أي على الوالي - جريا على منهاجه الذي كان يسير عليه مع أمثاله من الولاة ، فطفق يتتبع سقطاته ، ويفضح عوارته ، ويندد به في صحف الآستانة وبيروت ، ويكتب بمساوئه إلى المراجع العليا ، حتى نكد عيشه ، وسلب راحته ، وصار الوالي يتمنى أن لو ظفر له بسقطة يتسلط بها عليه لينتقم منه ، فلم يظفر له بشيء من ذلك . وحدث في يوم ما أن قنصل دولة إيطاليا في حلب السنيور إتريكوويتو بينما كان راكبا عربته ، مارا في محلة الجلوم ، التي هي محلة السيد عبد الرحمن الكواكبي ، إذ وقع على ظهره حجر عاثر صدمه صدمة عنيفة تألم منها جدا ، بحيث اضطرته أن يعود إلى منزله وأن يرسل إلى الوالي تقريرا ، يطلب فيه منه البحث عن الضارب ، وإجراء العقوبة القانونية » . هذه الحادثة فتحت للوالي بابا يلج منه إلى إلصاق هذه الجناية بالسيد الكواكبي ، لا سيما وقد كانت الحادثة في محلته ، وعلى مقربة من داره . وفي الحال أوعز إلى بعض شياطينه بان يرفع إليه تقريرا فحواه أن الكواكبي منضم إلى عصابة أرمنية - وكانت ثورات الأرمن في تلك الأيام كثيرة - وأنه قبل يومين أغرى بعض الناس فرشق على قنصل إيطاليا حجرة أصابت ظهره ، محاولا بذلك إحداث ثورة بين الأرمن والمسلمين بحلب ، وحالما قدمت هذه الاخبارية إلى الوالي أمر رئيس الشرطة بالذهاب إلى منزل السيد عبد الرحمن ، والدخول إليه قسرا ، وتفتيش مكتبه وخزانة أوراقه . فتوجه رئيس الشرطة على الفور إلى منزل الكواكبي ، وكان غائبا عنه ، فدخله قسرا ومعه طائفة من أتباعه ، وقصدوا خزانة كتبه وألقوا فيها ورقة مزورة استحضروها معهم ، وهي تركية العبارة ، محررة بحروف أرمنية ، مضطربة التركيب ، يفهم منها أن أحد زعماء الأرمن يعد السيد عبد الرحمن بأنه عما قريب يقوم باحداث ثورة بين المسلمين وبين الأرمن في حلب ! . فقبض الشرطي على هذه الورقة وطار بها إلى الوالي ، فتسلمها منه ، وفي الحال أصدر أمره بإلقاء القبض على الكواكبي وزجه في السجن ، وما أسرع ما أخرج من السجن مخفورا ، وأجلس على كرسي المحكمة لاصدار الحكم عليه . وكان رئيس المحكمة رجلا متهالكا بالتقرب إلى الولاة وكبار الموظفين ، فحكم على السيد الكواكبي بالاعدام ، على أن يكون الحكم قابلا للاستئناف ثم للتمييز ، فتلقى السيد الكواكبي الحكم بالرضى ، وشرع يطلب من المراجع العليا أن تكون محاكمته الاستئنافية في محاكم بيروت لعداوة شخصية بينه وبين الوالي ، فأجيب طلبه ، ونقل مع أوراق الدعوى إلى محكمة بيروت ، فتحقق لها أن الدعوى مزورة من أساسها ، ولا أصل لها ، وقد برأته ، وعاد إلى وطنه وهو أكثر اعتزازا بدعوته إلى الحق ومناصبته العتاة المستبدين . لقد مل المقام في وطنه وهو في هذا الجو الموبوء بالدسائس والوشايات ، فوطن نفسه على الهجرة . . ولكن إلى أين ؟ .